كيف نحمي أنفسنا من سيل الكراهية؟ كسر السلسلة من التضليل إلى فعل العنف  

عباس علي موسى/ كاتب وصحفي

في نهاية كلّ عام تدأب المنصّات ووسائل الإعلام إلى مراجعات عامة للأحداث والتوجّهات وغيرها من الأمور التي وسمت السنة السابقة، ومع بلوغنا الربع الأخير من العام 2025 يُمكننا أن نختم هذا العام بعنوان عريض هو (عام الكراهية)، لا أعرف أمكنة أخرى ينطبق عليها هذا الوسم، لكن بالتأكيد فإنّ سوريا ينطبق عليها العنوان بجدارة تدعو للحزن، وخاصة بعد تحرّر السوريين من دكتاتورية استمرّت لأكثر من عقدين ومعها إرث ثلاث عقود أخرى ذاق فيها السوريون الأمرّين.

لكنّ خطاب الكراهية ليس سلوكا معزولا، وخاصة أنّه غالبا ما يبدأ في فضاء الإنترنت ويتجاوزه بعد ذلك إلى الواقع،  وهو عادة ما يستند إلى حملة تضليل ممنهجة تخاطب عواطف الجمهور عبر سوق أخبار وأحداث واختلاق أخبار تُساهم في إسباغ نوعٍ من الشيطنة على الآخر المختلف (طائفيا، قوميا أو دينيا، أو سياسيا)، هكذا يمهّدُ الطريق لسيل الكراهية، الذي يبدأ بتهييج الشارع ضد الآخر، فيبدأ التحريضٍ على المستوى الافتراضي لينتقل إلى عنف في الميادين؛ ما يميّز هذا التركيب أنّه يكون عادة متبادلاً بين الأطراف المختلفة. لكن هل يجوز مساواة الكلّ مع بعضهم البعض؟ هذا السؤال مرتبطٌ بكمِّ التأثير وخطره في الميدان، فحين يصدر هذا الفعل المتسلسل (التضليل + خطاب الكراهية + التحريض = العنف) من أرباب السلطة ومن بيده القوة يكون ذا خطرٍ أكبر.

هنا يمكن الإشارة إلى أحداث السويداء، حيث أنّ السلسلة هذه كانت متبادلة في الكثير من مراحلها، لكن نظرةً قريبة إلى الأحداث تُظهر أنّ هذه السلسلة كانت ذات تأثير أكبر حين قادتها أطراف محسوبة على الحكومة الانتقالية، وأدت إلى موجات عنف تُعدّ الأكثر دموية منذ سقوط الأسد، وساهمت في انخراط مباشر لأبناء العشائر في موجة عنف وفزعات عشائرية كانت خطيرة، ولن يزل أثرها قريبا، بينما كان الخطاب المضاد من قبل أهالي السويداء وأولئك المحسوبين على الفصائل المحلية، ذات أثر أقلّ لجهة عدم امتلاكهم السلطة، لكن ينبغي الإشارة هنا أنّ بعض العنف الممارس ضد أبناء البدو في المحافظة كان نتيجة سلسلة الخطاب، دون أن يتم المساواة بين الفعلين أو محاولة المساواة بين طرفين لا تستقيم فيها المقارنة.

 النأي السلبي

يُمارس النأي بالنفس كاستراتيجية يختارها المرء للتخفيف عن الذات حين تتعرّض الجماعة لخطاب كراهية منظّم وممنهج، غير أنّ بيئة المنصّات الرقمية اليوم وطبيعة التفاعل على المنصّات التي تنشط إبان الأحداث العامة – بفعل البُنى الخوارزمية – تُعيد تدوير الرسائل وتوسّع نطاقها حتى في غياب المشاركة المُباشرة، حيث تكون مثل طوفانٍ، مستندين على عدم قدرة المجتمعات المعاصرة على الانسحاب من الفضاء الرقمي بسهولة، إذ أنّ الأمر أشبه بشبكة صيد كبيرة، حتى من يسبح هو عالق بطريقة أو بأخرى، وعليه يتحوّل النأي بالنفس إلى (انسحاب سلبي) يُفاقم العزلة، ويستنزف فعل التضامن مع الجماعات المُستهدفة، ويُخلي المجال أمام السرديات المكرّسة للكراهية، وتتركها تترسّخ دون مقاومة.

أحدهم يقوم يُغلق خاصية الإشعارات في هاتفه، مُقنعاً نفسه أنّ هذا الصمت درعٌ، لكن هذا النوع من الخطاب (أقصد خطاب الكراهية والحضّ على العنف) يخرج لكَ من كلّ مكان، يتداوله الأصدقاء شفاهً، والعائلة في التجمعات العائلية، وحتى في السرفيس وطابور الخبز والغاز، لكنّك لا تستطيع إغلاق الإشعارات والهاتف لوقت طويل، إذ تتذكّر مراسلات العمل والأهل والأصدقاء.

تتصفّح جدار الفيسبوك فتقفز على المنشورات التي تحضّ على الكراهية والعنف، لكنّك تقعُ على خطاب يحضّ على الكراهية والعنف بلغة مبطّنة، وعبر سلسلة من الحجج والأدلة التي تفتح شباكها، فتوقع من توقع في فخاخ التبرير لأفعال العنف وتتبنى خطاب الكراهية بمواربة مُتقنة، أو تمارسه بفجاجة مع تبرير مذيّل أسفل الرسالة.

تُحاول النأي بنفسك، لكن الكراهية وخطابها المتدفّق يترشّح شيئا فشيئا إلى داخلك، وينخر السكون في داخلك، حتى يجعل من عدم المُشاركة في الأمر – إيجابا وسلبا – أمراً شديد الصعوبة.

التضامن

إنّ فعل التضامن هو أحد الآليات والأدوات الإنسانية السامية في مواجهة خطاب الكراهية، وفي السياق السوري، حيث يتجاوز خطاب الكراهية مجرّد كونه خطابا، ليلقي بظلاله على الأرض فيتحوّل في الكثير من الأحيان إلى تحريض على العنف، وتبرير له ومن ثم في حالات كثيرة إلى عنف واقعي أو تبرير لفعله، لذا فإنّ التضامن يتحوّل إلى فعل واجب، وبأدوات بسيطة.

فكما حوّل العالم الرقمي خطاب الكراهية إلى أدوات سهلة، تكون بالنشر وإعادته وتداوله ينبغي العمل على التضامن كفعل إنساني، ويكون التضامن عبر أمور عدة، منها نشر خطاب التسامح، أو نشر الحقائق، أو نشر تفنيد الأخبار حين يكون خطاب الكراهية مبنيا على التضليل، أو عبر التبليغ الرقمي أو القانوني.

وأحد أفضل أشكال التضامن هو تبني خطاب مُضاد، يسرد الحقائق وطرح قصصٍ أنموذجية عن الجماعات المستهدفة، حيث يعتبر البعض أن جهل الجماعات ببعضها البعض يُسهّل استهدافها في خطاب الكراهية وتبني سياق عنفي تجاهها.

كما أنّ محاربة التنميط عبر تفكيك الصور النمطية وتفنيدها وموازاتها بأخرى إيجابية وحقيقية يُعدّ أحد أدوات التضامن المهمّة، فالتنميط السلبي يروي جذوة الكراهية والعنف ويُساهم في نشرها أكثر.

التبليغ والمقاومة

من أحد المسلّمات في العالم الرقمي، أنّ الأخبار المضللة وذات الطابع التحريضي والحاضة على الكراهية تنتشر أضعاف وبسرعة أكبر من الأخبار الصحيحة والتي تدعو إلى التسامح ونبذ خطاب الكراهية.

لذا فإنّ التبليغ الرقمي عدا سهولته، فإنّه أداة فعّالة لتقليص فعل التحريض والكراهية، خاصة إن كان بشكل مكثّف، فالاعتياد الرقمي على التبليغ، وجعله ممارسة سياقية أساسية مثلها مثل التفاعل مع المحتوى، فكما نضع قلبا أو إعجابا أو عدم إعجاب، بإمكانك التبليغ عن محتوى يحض على الكراهية أو العنف أو يدعو إليها.

وهناك مبادرات رقمية منها مبادرة بلّغ والتي تعد جزءا من المبادرة المدنية لمحاربة خطاب العنف والكراهية في الفضاء العام السوري، والتي تتخذ من شعار (التبليغ مسؤولية) حيث تعمل المنصة على استقبال البلاغات وتحليلها وتجميعها لزيادة أثرها.

أخيرا يُمكننا ألا نبقى مجرّد متفرّجين على السيل وهو يعبر شاشاتنا وفضائنا الافتراضي، ألا نختار الانسحاب أو النأي بأنفسنا لكي لا ينطبق علينا المثل القائل: (أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض)، لذا فبإمكاننا أن نختار الحضور العاقل، نكبح انفعالاتنا، وندرّب أنفسنا على النظر إلى الأمور بعين النقد وفحص المصادر بأدوات بسيطة، ولا ننجرّ لنكون مروّجين لخطاب الكراهية، ونقاوم عدوى التعميم الأعمى، وإن كنت من أي طرفٍ (سواء الطرف صاحب السطوة والقوة أو الطرف الضحية)، حيث اننا لسنا متساوون في القوة في معظم الأحيان، إلا أنّنا متساوون في المسؤولية.

وإن كان خطاب الكراهية يبدأ كحيلة لغوية أو محتوى بسيط، فإنّه غالبا ما ينتهي إلى جرحٍ في الميدان، وإن كانت السلسلة تستدعي تضليلا ومن ثم خطاب كراهية وينتهي بالعنف أو الترويج له، فإن كسر حلقات هذه السلسلة مسؤولية جماعية وهي ممكنة فقط حين نتحلّى بالمسؤولية، وحين لا ننزلق مع الخطاب الشعبوي الذي يتدحرج إلى الهاوية، لكنّه يسحب معه حبلا طويلا، سيسحب أقدامنا جميعا وننزلق معه صوب تلك الهاوية/ الجحيم إن لم نقطع الحبل ونكسر تلك السلسلة.