ضمن مشهد سوري جديد..كيف يهدد خطاب الكراهية النساء العاملات في الشأن العام؟

محمد عيسى

في مشهد سوري جديد يتشكل بعد عقود من الحكم الشمولي، يبرز تحدٍ مقلق يواجه النساء العاملات في الشأن العام؛ حيث يتعرضن لحملات كراهية وتشهير ممنهجة. وتكشف شهادات صحفيات وناشطات عن نمط خطير من الاستهداف يتجاوز التحريض الإلكتروني ليصل إلى التهديد المباشر على أرض الواقع، ما يقوض قدرتهن على العمل في بيئة مشحونة بالاستقطاب السياسي.

سولين محمد أمين.. عمالة مزعومة وطعن في الشرف

سولين محمد أمين، صحفية تعرضت خلال فترة وجيزة لا تتجاوز الشهر، لتحريض إلكتروني في مناسبتين مختلفتين، استعان المحرضون فيها بنشر أخبار مضللة لتقويض مصداقيتها وتأليب الرأي العام ضدها.

في المرة الأولى، انتشرت منشورات متطابقة أوائل يوليو/تموز 2025،عبر منصتي “فيسبوك” و”إكس” تزعم أن محمد أمين، التي عملت سابقاً كمراسلة في دمشق، “تعمل لصالح استخبارات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحزب العمال الكردستاني (PKK)، وأظهرت المتابعة أن أكثر من 20 حساباً وصفحة، معظمها يحمل وسم “الرقة”، قد شارك في نشر هذه الادعاءات التي ركزت على اتهامها بـ”العمالة”، والطعن في شرفها.

بينما في المرة الثانية وخلال شهر سبتمبر/أيلول 2025، استغلت صفحات عامة على فيسبوك، يتابعها مجتمعة أكثر من 172 ألف شخص، مقطع فيديو نشرته محمد أمين حول معرض دمشق الدولي، لشن هجوم بدا تهكمياً في البداية، لكنه تطور إلى تحريض عليها ووصفها بـ”المجاهدة”، من خلال محتوى مرئي لاقى انتشارا وتفاعل كبيرين.

وأظهرت المتابعة أن ثلاث صفحات رئيسية، تُدار من سوريا وألمانيا والنمسا، نشرت منشورات متطابقة الصياغة في فترة زمنية متقاربة، بهدف واضح هو النيل من الصحفية عبر السماح بتلقيها عشرات الشتائم والإساءات اللفظية عبر التعليقات.

وعلى منشورها حول معرض دمشق الدولي الذي نشرته على صفحتها في “فيسبوك” يوم 25 أغسطس\آب 2025، وردت تعليقات، مثل “وضع سولين في الشام جهاد النكاح، انتي عميلة لقسد الحق على هالحكومة لازم تعلق مشنقتك، بركي بعد هالمقطع حدا من إخواتها يشدلها شعرها ويرجعها عالبيت قبل ما يغتصبوها الداعش”.

وعبر خاصية “ستوري”، نشر حساب على منصة “انستغرام” يحمل اسم “albin.ali.praivet”، ويعرف نفسه على أنه ناشط إعلامي ورائد أعمال، خاصيتي ستوري، حملت إحداها ذات اللغة المتداولة في المنشورات المتعلقة بمعرض دمشق، ويرجح أن الحملة قد بدأت من صفحته، والثانية كانت هجومية، وفق ما ورد فيها “بوق من أبواق الجولاني، الله يغضب عليك ويلعنك، لازم كل كوردي يشيل الفولو، تبيع شعبها كرمال المغريات الي قدموها جماعة الجولاني”.

تقول سولين محمد أمين في تصريح لمنصة “ترو بلاتفورم”، إنها تعرضت لحملات “تحريض وتشهير” متكررة تضمنت تهديدات ومطالبات باعتقالها، وإساءة شخصية عبر التعليقات، وهو ما يعرض حريتها أو حياتها للخطر.

 وربطت محمد أمين، الهجوم الأخير بشائعة تقول بانتقالها للعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة للحكومة السورية الانتقالية، وهو ما نفته بشكل قطعي.

قصة سولين تكشف شكلين من الاستهداف الإلكتروني الذي قد يواجه العاملات في الشأن العام؛ الأول عبر استغلال الانتماء المناطقي أو القومي لترويج اتهامات بلا دليل والتحريض ضدهن، كما حدث معها في البداية، والثاني عبر استغلال حاجتهن للعمل لنشر معلومات مضللة بهدف تقييد خياراتهن المهنية، كما في المرة الثانية. وفي كلا الحالتين تمثل قصتها مثالاً على كيفية توظيف خطاب الكراهية في حملات التشهير الإلكتروني ومحاولات التضييق على النساء في الفضاء العام

حنين عمران..من مضايقات الميدان إلى شائعات “التصفية”

لم تكن تجربة مراسلة “تلفزيون سوريا”، حنين عمران، أقل خطورة مما تعرضت لها الصحفية سولين محمد أمين، حيث تعرضت عمران خلال فترتين زمنيتين قصيرتين إلى حملتي تحريض عقب حادثة واجهتها خلال ممارسة عملها في مدينة حرستا بريف دمشق في أبريل\نيسان 2025. وانتقل التهديد من الواقع الميداني إلى الفضاء الرقمي، قبل أن يعود ليطاردها على شكل شائعة تفيد بمقتلها.

ففي بث مباشر عبر صفحتها على “فيسبوك”، وثّقت عمران، وهي في حالة استياء، تفاصيل تعرضها وزميلها المصور للمضايقة والتهديد في مدينة حرستا بريف دمشق. وأوضحت أن “ضابط أمن” تابعاً لكيان محلي يُدعى “مجلس الشورى”، اعتدى على زميلها وسحب منه البطاقات الصحفية أثناء محاولتهما توثيق شكاوى للسكان.

وخلال الفيديو، تدخل شخص يُدعى “أبو ماجد”، وهو يطالبها بالمغادرة، بينما هددها شخص آخر قائلاً: “لا يُسمح لها بمغادرة حرستا” إن لم توقف البث. واعتبرت عمران، هذا تهديداً صريحاً، قائلة إن “حرستا تبدو خارجة عن سلطة الدولة وعن القانون”، ووصفت ما حدث بأنه “استعراض للقوة” من جهة غير رسمية

عقب الحادثة، التي أثارت تضامناً واسعاً معها، انتشرت شائعة ملفقة تزعم “مقتل الإعلامية حنين عمران في منطقة حرستا أثناء بث مباشر”، مع انتشار فيديوهات تحمل وسم “تمت التصفية اليوم”، إلا أن عمران سرعان ما فندت الإدعاء، مؤكدة في منشور لها على “فيسبوك” أنها “بخير”

كما انتشرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، هدفت إلى النيل من سمعتها ومصداقيتها، من خلال استذكار صلة قرابتها مع والدها وأخيها (جميل قزلو)، اللذين كانا مرتبطين بعلاقات مع النظام السوري السابق، التي أعلنت عمران قطع علاقتها معهما.

وتأتي هذه الواقعة في سياق أوسع من الاستهداف الذي وثقته منظمة “مراسلون بلا حدود” في مارس/آذار، حيث أشارت في تقرير لها إلى تعرض عمران، التي كانت آخر صحفية يسجنها نظام بشار الأسد قبل سقوطه، “لحملة تنمر على منصات التواصل الاجتماعي… لتشويه سمعتها والتشكيك في مصداقيتها”، موضحة أنها تعرضت “لاعتداء جسدي خلال عملها على الميدان في أعقاب تلك الحملة”.

فرح يوسف.. مواجهة العنف الطائفي والجندري

الصحفية والناشطة السورية، فرح يوسف، واحدة من الصحفيات اللاتي يتعرضن لحملات تشهير وتحريض مستمرة، وصلت مؤخراً إلى مستوى غير مسبوق من العنف اللفظي على خلفية مواقفها السياسية، مما يسلط الضوء على المخاطر التي تواجهها النساء في المجال العام.

عُرفت يوسف، وهي ناشطة نسوية من حلب تقيم في فرنسا، بمواقفها الداعمة لحقوق الإنسان ومساءلة جميع أشكال الانتهاكات في سوريا. هذا الحضور جعلها هدفاً لهجمات إلكترونية عنيفة، تضمنت تهديدات وشتائم طائفية، وهو ما يتجاوز الاختلاف في الرأي إلى اعتداء على حق النساء في التعبير والمشاركة السياسية.

وكانت يوسف قد شاركت هلال شهر حزيران/يونيو 2025 متابعيها صور لمجموعة من المنشورات والرسائل التهديدية هلى خلفية موقفها السياسي، وقالت في مقابلة مرئية سابقة إن ما يقلقها بشكل خاص هو “تراجع مساحة حرية التعبير السياسي”.

وترى يوسف أن “معركة” مواجهة خطاب الكراهية، “يجب ألا تكون فردية”، وأن “على منصات التواصل الاجتماعي ضبط خطاب الكراهية والتحريض، كما يجب على السلطات السورية تجريم هذه الممارسات”.

قوانين “فقيرة”..تحمي الجاني وتقيد الضحية

في هذا السياق، تقول إباء منذر، منسقة برنامج الإعلام والحريات في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، خلال حديثها لـ “ترو بلاتفورم” على أن مثل “هذا الاستهداف يقوض عمليات السلم الأهلي، وينعكس سلباً على حرية الرأي والتعبير، لا سيما أننا نناقش حالة تقييم الصحفي بناءً على طائفته أو منطقته أو قوميته أو جنسه. هذا النمط من الاستهداف لا يشكّل فقط انتهاكاً مباشراً لحرية الرأي والتعبير، بل يهدد أيضاً سلامة الصحفيين الجسدية والنفسية”.

وتضيف منذر، “القوانين الوطنية في سوريا – سواء ‘قانون الإعلام’ أو النصوص الجزائية الأخرى – ما تزال تفتقر إلى الحماية الكافية للصحفيين وتستخدم أحياناً كأداة لتقييد عملهم. في المقابل، تؤكد المواثيق الدولية، وعلى رأسها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين، على واجب الدول في حماية حرية الإعلام ومحاسبة أي تحريض على الكراهية”.

وتلفت الانتباه إلى البعد الجندري في هذه الهجمات: “أنماط التحريض ضد الصحفيات قد تختلف لتشمل استهدافاً جندرياً مضاعفاً قد يصل إلى التحرش والابتزاز والتشهير. هذه الأنماط تضاعف من احتمالات الأذى النفسي والجسدي وتقيّد القدرة على العمل”. مطالبةالجهات الرسمية والمؤسّسات الإعلامية  “باعتماد إجراءات حماية حسّاسة للنوع الاجتماعي”.

وتختتم منذر، بالتأكيد على أن “التصدي لخطاب الكراهية يتطلب مقاربة مزدوجة: تعزيز الأطر القانونية بما يضمن ملاحقة التحريض، والاستثمار في برامج التوعية التي تشجع على تبني خطاب مسؤول. إن حماية الصحفيين/ات في هذه المرحلة الحساسة ليست فقط واجباً قانونياً وأخلاقياً، بل هي شرط أساسي لضمان انتقال سلمي يعزز العدالة والمساءلة”.