عن فخ النأي السلبي وواجب التضامن في كسر حلقة الكراهية

   عباس علي موسى / كاتب وصحفي

في نهاية كلّ عام تدأب وسائل الإعلام عادة إلى إجراء مراجعات وتقييمات للأحداث والتوجّهات التي شكلت عناوين بارزة أو قضايا شغلت الرأي العام، ومع مضي عام 2025 واقترابنا من نهاية الربع الأول من العام 2026، لا نجد وسوماً تعبّر عن هذه الفترة في سوريا مثل خطاب كراهية، تجييش طائفي، تحريض على العنف، أخبار مزيفة. هذه الوسوم تنطبق على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا بجدارة تدعو للحزن ومحاولة البحث عن أجوبة لأسئلة كبيرة: كيف يجري كل هذا؟ ومن يقوم به، ولمصلحة من؟

لا جرم أن خطاب الكراهية هذا ليس سلوكاً معزولاً، فهو يبدأ غالباً في فضاء الإنترنت وقد يتجاوزه إلى الواقع، كما يبدأ أحياناً بعد حملات تضليل معلوماتي تكون في كثير من المرات ممنهجة، تخاطب عواطف الجمهور عبر سوق أخبار وأحداث واختلاق أخبار تساهم في إسباغ نوعٍ من الشيطنة على الآخر المختلف طائفياً، قومياً أو دينياً أو سياسياً، ويمهّد الطريق لسيل الكراهية، والذي يصل إلى تأليب الشارع بعضه على بعض، وما يميّز هذه الممارسة أنّها تكون عادة متبادلة بين الأطراف المختلفة.

لكن هل يجوز مساواة كلّ الأطراف مع بعضها البعض؟ السلطة والآخرون مثلاً، هذا السؤال مرتبط بكمّ التأثير وخطره في الميدان، فحين يصدر هذا الفعل المتسلسل: التضليل + خطاب الكراهية + التحريض = العنف من أرباب السلطة ومن بيده القوة يكون ذا خطرٍ أكبر.

وهنا يمكن الإشارة إلى أحداث السويداء، حيث أنّ السلسلة هذه كانت متبادلة في الكثير من مراحلها مع تغليب للطرف الموالي للسلطة، لكن نظرةً قريبة إلى الأحداث تظهر أنّ هذه السلسلة كانت ذات تأثير أكبر حين عمدت شبكات ذباب الكتروني وصحفيون محسوبون أو مرتبطون بالحكومة في دمشق، تضافر هذه الأدوات أدى إلى موجات عنف تعدّ الأكثر دموية منذ سقوط الأسد، وساهمت في انخراط مباشر لأبناء العشائر في موجة عنف وفزعات عشائرية كانت خطيرة، ولن يزول أثرها قريباً، بينما كان الخطاب المضاد من قبل أهالي السويداء وفصائلها، ذات أثر أقلّ لجهة عدم امتلاكهم السلطة، ولكن ينبغي الإشارة هنا أنّ بعض العنف الممارس ضد أبناء البدو في المحافظة كان  لسلسلة الخطاب الكاره دوراً واضحاً فيه.

النأي السلبي

يمارس النأي بالنفس كاستراتيجية يختارها المرء للتخفيف عن الذات حين تتعرّض الجماعة لخطاب كراهية منظّم وممنهج، غير أنّ بيئة المنصّات الرقمية اليوم وطبيعة التفاعل على المنصّات التي تنشط إبان الأحداث العامة – بفعل البنى الخوارزمية[1] – تعيد تدوير الرسائل وتوسّع نطاقها حتى في غياب المشاركة المباشرة، حيث تكون مثل طوفان، مستندين على عدم قدرة المجتمعات المعاصرة على الانسحاب من الفضاء الرقمي بسهولة، إذ أنّ الأمر أشبه بشبكة صيد كبيرة، حتى من يسبح هو عالق بطريقة أو بأخرى، وعليه يتحوّل النأي بالنفس إلى (انسحاب سلبي) يفاقم العزلة، ويستنزف فعل التضامن مع الجماعات المستهدفة، ويخلي المجال أمام السرديات المكرّسة للكراهية، وتتركها تترسّخ دون مقاومة.

أحدهم يغلق خاصية الإشعارات في هاتفه، مقنعاً نفسه أنّ هذا الصمت درع، لكن هذا النوع من الخطاب (أقصد خطاب الكراهية والحضّ على العنف) يخرج لكَ من كلّ مكان، يتداوله الأصدقاء شفاهً، والمحيط الاجتماعي في التجمعات العائلية، وحتى في السرفيس وطابور الخبز والغاز، لكنّك لا تستطيع إغلاق الإشعارات والهاتف لوقت طويل، إذ تتذكّر مراسلات العمل والأهل والأصدقاء.

تتصفّح جدار الفيسبوك فتقفز على المنشورات التي تحضّ على الكراهية والعنف، لكنّك تقع على خطاب يحضّ على الكراهية والعنف بلغة مبطّنة، وعبر سلسلة من الحجج والأدلة التي تفتح شباكها، فتوقع من توقع في فخاخ التبرير لأفعال العنف وتتبنى خطاب الكراهية بمواربة متقنة، أو تمارسه بفجاجة مع تبرير مذيّل أسفل الرسالة.

تحاول النأي بنفسك، لكن الكراهية وخطابها المتدفّق يترشّح شيئاً فشيئاً إلى داخلك، وينخر السكون في داخلك، حتى يجعل من عدم المشاركة في الأمر – إيجاباً وسلباً – أمراً شديد الصعوبة.

التضامن

إنّ فعل التضامن هو أحد الآليات والأدوات الإنسانية السامية في مواجهة خطاب الكراهية، وفي السياق السوري، حيث يتجاوز خطاب الكراهية مجرّد كونه خطاباً، ليلقي بظلاله على الأرض فيتحوّل في الكثير من الأحيان إلى تحريض على العنف، وتبرير له ومن ثم في حالات كثيرة إلى عنف واقعي أو تبرير لفعله، لذا فإنّ التضامن يتحوّل إلى فعل واجب، و بأدوات بسيطة.

فكما حوّل العالم الرقمي خطاب الكراهية إلى أدوات سهلة، تكون بالنشر وإعادته وتداوله ينبغي العمل على التضامن كفعل إنساني، ويكون التضامن عبر أمور عدة، منها نشر خطاب التسامح، أو نشر الحقائق، أو نشر تفنيد الأخبار حين يكون خطاب الكراهية مبنياً على التضليل، أو عبر التبليغ الرقمي أو القانوني، حيث أنّ الخطوة الأخيرة من شأنها تقليص مساحات الأذى المتمثلة بنشر خطاب الكراهية والخطاب الداعي للعنف.

وأحد أفضل أشكال التضامن هو تبني خطاب مضاد، يسرد الحقائق وطرح قصص أنموذجية عن الجماعات المستهدفة، حيث يعدّ البعض أن جهل الجماعات ببعضها البعض يسهّل استهدافها في خطاب الكراهية وتبني سياق عنفي تجاهها.

 كما أنّ محاربة التنميط عبر تفكيك الصور النمطية وتفنيدها وموازاتها بأخرى إيجابية وحقيقية يعدّ أحد أدوات التضامن المهمّة، فالتنميط السلبي يروي جذوة الكراهية والعنف ويساهم في نشرها أكثر.

التبليغ والمقاومة

من أحد المسلّمات في العالم الرقمي، أنّ الأخبار المضللة وذات الطابع التحريضي والحاضة على الكراهية تنتشر أضعاف وبسرعة أكبر من الأخبار الصحيحة والتي تدعو إلى التسامح ونبذ خطاب الكراهية.[2]

لذا فإنّ التبليغ الرقمي عدا سهولته، فإنّه أداة فعّالة لتقليص فعل التحريض والكراهية، خاصة إن كان بشكل مكثّف، فالاعتياد الرقمي على التبليغ، وجعله ممارسة سياقية أساسية مثلها مثل التفاعل مع المحتوى، فكما نضع قلباً أو إعجاباً أو عدم إعجاب، بإمكانك التبليغ عن محتوى يحض على الكراهية أو العنف أو يدعو إليهما.

أخيراً يمكننا ألا نبقى مجرّد متفرّجين على السيل وهو يعبر شاشاتنا وفضائنا الافتراضي، ألا نختار الانسحاب أو النأي بأنفسنا لكي لا ينطبق علينا المثل القائل: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)، لذا بإمكاننا اختيار الحضور العاقل، كبح انفعالاتنا، تدرّب أنفسنا على النظر إلى الأمور بعين النقد وفحص المصادر بأدوات بسيطة، ولا ننجرّ لنكون مروّجين لخطاب الكراهية، ونقاوم عدوى التعميم الأعمى، وإن كنت من أي طرفٍ (سواء الطرف صاحب السطوة والقوة أو الطرف الضحية)، فعدم المساواة في القوة يقابله المساواة في المسؤولية.

وإن كان خطاب الكراهية يبدأ كحيلة لغوية أو محتوى بسيط، فإنّه غالباً ما ينتهي إلى جرحٍ في الميدان، وإن كانت السلسلة تستدعي تضليلاً ومن ثم خطاب كراهية وينتهي بالعنف، فإن كسر حلقة هذه السلسة مسؤولية جماعية وهي ممكنة فقط حين نتحلّى بالمسؤولية، وحين لا ننزلق مع الخطاب الشعبوي الذي يتدحرج إلى الهاوية، لكنّه يسحب معه حبلاً طويلاً، سيجر أقدامنا جميعاً وننحدر صوب تلك الهاوية/ الجحيم إن لم نقطع الحبل ونكسر تلك السلسلة.

   …………………………………………………………………………………………….

المصادر:                      

[1] المعلومات المضللة على الإنترنت: اليونسكو تكشف عن خطة عمل لتنظيم الشبكات الاجتماعية

[2] فمثلا تبيّن دراسةٌ محكَّمة نُشرت في مجلة Science عام 2018، اعتمدت على تحليل انتشار الشائعات على منصة تويتر عبر سنوات متعددة، أن الأخبار الكاذبة تنتشر أبعد وبسرعة أكبر وبمدى أوسع من الأخبار الصحيحة. فوسوغي، روي، وأرال (2018)، The spread of true and false news online، Science