مغالطات وتلاعب بالسياق.. تفنيد رواية جديدة حول مسربي فيديوهات مجزرة التضامن

نشر موقع زمان الوصل السوري مؤخراً، تصريحات عن مصدر مجهول وصفه بـ”الحقوقي”، تضمنت جملة من الادعاءات من أبرزها أن مقطع الفيديو الشهير لمجزرة التضامن “لم يتم العثور عليه عبر اختراق إلكتروني لحاسوب المساعد في قوات النظام، أمجد يوسف، كما روّج فريق الباحثين (أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور)، بل سُلِّم يدويّاً من قِبل عنصرين تورّطا بشكل مباشر في الجريمة”.

وزعمت التصريحات التي وصفها “زمان الوصل” بـ”الخاصة” “أن العنصرين كانا ينتميان لفرع المنطقة(227)، وكانت مهمتهما تصوير مقاطع المجازر لصالح الفرع، وقد صوّرا أيضاً جريمة قتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي!”

وتضمنت التصريحات ادعاء بأن “العنصرين استغلا تلك المقاطع البشعة عام 2016 كـ”تذكرة سفر” لتأمين خروجهما من سوريا، وذلك بالتنسيق والتعاون مع فريق البحث”.

وجاء في التصريحات أن “العنصرين يجري التعامل معهما حالياً كـ”شاهدين” بدلاً من جُناة؛ إذ وقّعت معهما جهة حكومية وثيقة تمنحهما الحصانة وتعفيهما من المساءلة القانونية، واعتُبرا “شاهدين مَلِكِيْن” مقابل تسليم المقاطع”. وأنهما أقرا بتصوير  “عشرات المجازر الأخرى غير المعروفة في الفترة من عام 2011 إلى 2016، منها مجازر شبيهة بالتضامن في الحجر الأسود بدمشق، وسلّما مقاطعها للعقيد جمال إسماعيل، قائد قطاع التضامن والزاهرة في دمشق”.

وقال الموقع إن المصدر “أعرب عن قلقه البالغ إزاء المسار القضائي الحالي للقضية، وأن جهة حقوقية وقانونية (لم يسمّها) منحت العنصرين الأمان مؤخراً وصنّفتهما في خانة الشهود، في حين أنهما “في الأصل جانيان وشريكان في توثيق تلك الفظائع وتنفيذها”.

وتضمن الخبر تشكيكاً أخيراً بالرواية المتداولة حول المجزرة تساءل فيه المصدر عن سبب بقاء اسم مصور المقاطع مجهولاً، زاعماً أن سبب عدم نشر مقاطع المجزرة الأخرى يعود إلى “ظهور أحد العنصرين عدة مرات في مقاطع التضامن الأخرى وليس رأفةً بأهالي الضحايا”.

 الإجراء:

تحرى فريق شبكة تدقيق المعلومات -True Platform، حقيقة التصريحات والادعاءات التي ساقتها، وأجرت بحثاً مفتوحاً عبر المصادر المفتوحة شمل محرك البحث غوغل ومنصة فيسبوك ومعظم اللقاءات التي شارك فيها أعضاء فريق البحث حول مجزرة التضامن والتحقيقات المنشورة، وتبين أن الادعاءات تحتوي على مغالطات وتضليل.

نتائج البحث والتحري:

– استند موقع زمان الوصل في خبره على مصدر مجهول ساق جملة من الادعاءات الخطيرة حول فريق الباحثين الذي أنجز أحد أكبر التحقيقات التي أدانت النظام السوري دولياً، عبر تصوير الإنجاز الحقوقي (الوصول للفيديوهات) كصفقة “صك غفران وتذكرة سفر”، ودون تقديم أدلة جازمة.

– لم يورد الموقع أي ردود أو تعليقات من فريق الباحثين، وخاصة من الباحثين (أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور) على الاتهامات التي طالتهما في خبره أو في خبر منفصل لاحقاً؛ إذ تلزم المعايير المهنية الموقع بمنحهما حق الرد للدفاع عن نفسيهما أمام الرأي العام السوري.

– تبين أن فريق الباحثين (أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور)، لم يروّجا لهذه الفرضية في جميع المقابلات التي أجرياها منذ العام 2022 وحتى الآن، بينما ذكر الباحثان في التحقيق المشترك الذي نشرته ثلاث وسائل إعلام هي مجلة New Liner الأمريكية، وصحيفة الغارديان البريطانية، وموقع الجمهورية السوري، أن “مصدراً مقرباً من الجناة قام بتسريب هذه الفيديوهات لنا”، وهو ما يشير إلى أن معد الخبر مع مصدره لم يطّلعا على التحقيق المنشور حول المجزرة.

اتفق كلاً من عضوي فريق البحث حازم العبد الله ودمر سليمان في مقابلتين منفصلتين أُجريتا بعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، أن شقيقين(من الطائفة العلوية) من أهالي حي التضامن، سرّبا المقطع الأساسي، وأن أحدهما تقني كمبيوتر كان مطلوباً للخدمة الإلزامية فسعى لإجراء ندب لصالح الدفاع الوطني ومن ثم “التفييش” ليخدم في حيه، وقد أخبرهم بعمله في صيانة الكمبيوتر وهو ما اتاح له فرصة للحصول على لابتوب أمجد يوسف لاحقاً بناء على ذلك، حيث وجد فيه ملفاً يحتوي على 29 مقطعاً توثق المجازر.

– يزعم خبر زمان الوصل أن الشابين استغلا المقاطع للتواصل مع فريق البحث والسفر إلى أوروبا، لكن رواية فريق البحث تقول إن المقطع الأساسي الذي كشف من خلاله المجزرة وصلهم عام 2019.

– اتهم الخبر الشقيقان المسرّبان بأنهما “المصوران الرسميان” لـ”فرع المنطقة 227 وأنهما صورا أيضاً جثامين أطفال الطبيبة رانيا العباسي لكن دون تقديم أدلة جازمة، كما أن ذلك يتناقض مع ما ورد في التحقيق الذي نشره فريق الباحثين عام 2022 ومتناقضاً أيضا ً مع ما قاله شقيق الطبيبة مؤخراً من إنه شاهد فيديو يظهر وجوه أطفال شقيقته داخل غرفة مظلمة، بينما يتحدث أمجد يوسف خلف الكاميرا وهو يقول: “أطفال كبار الممولين في ركن الدين، تضحية لروح الشهيد نعيم يوسف”.

– لم يصدر عن أي جهة حكومية أو حقوقية قانونية سورية تصريحات أو بيانات تؤكد حصولها على مقاطع الفيديو بعد منح الشقيقين الحصانة من المساءلة وتصنيفهما في خانة الشهود، كما يتعارض هذا مع تصريحات للهيئة الوطنية للمفقودين تؤكد أنها “تسلمت 29 مقطع فيديو على وحدة تخزين (USB) بتاريخ 12 أيار في بروكسل عبر جهة حقوقية سورية، كانت قد استلمت المواد بتاريخ 9 أيار في باريس من شقيقين حصلا عليها مباشرةً من محتويات حاسوب أمجد يوسف …”.

– أخيراً الزعم أن سبب عدم الكشف عن المقاطع الأخرى المتعلقة بالمجزرة “يعود إلى ظهور أحد الشقيقين عدة مرات في مقاطع الفيديو الأخرى”، هو ادعاء يستند إلى مصدر مجهول لم يُقدم دليلاً جازماً عليه، في حين أرجع الباحثان (أنصار شحود وأعور أوميت أونجور) في بيان حديث سبب عدم نشر الفيديوهات إلى أن ذلك “(أ) يمس بكرامة الضحايا، (ب) يزيد من صدمة المجتمع، (ج) يؤدي إلى الاستغلال والإثارة”، وأضافا: “أوضحنا أن هوية الضحايا تقع على عاتق المدعي العام الألماني والسلطات المختصة الأخرى، وليس علينا، إذ لم تكن لدينا قط القدرة أو الصلاحية لتحديد هوية الضحايا. انظروا بياننا السابق الصادر في 4 يونيو/ حزيران 2022…”، فضلاً عن أن الادعاء يحمل تناقضاً؛ إذ أن جناة مفترضين غالباً لا يقدموا على تسليم جهات حقوقية أدلة تدينهم شخصياً.

خلاصة:

– الادعاء بأن فريق الباحثين الذي كشف مجزرة التضامن روّج بأنه حصل على مقطع الفيديو الأساسي عبر اختراق إلكتروني لحاسوب أمجد يوسف، هو ادعاء غير صحيح.

– فريق الباحثين قال إن حصل على المقطع من شقيقين أحدهما مختص تقني كان منتسباً للدفاع الوطني في الحي.

– الادعاء بأن الشقيقين مسرّبي الفيديو هما من صّورا فيديو أطفال الطبيبة رانيا العباسي هو ادعاء غير صحيح.

– فيديو توثيق مقتل أطفال الطبيبة رانيا العباسي صّوره أمجد يوسف بحسب التحقيق المنشور وبحسب شقيق الطبيبة الذي شاهد الفيديو.

– الادعاء بأن جهة حكومية أو حقوقية قانونية سورية منحت الشقيقين الحصانة من المساءلة وصنّفهما في خانة الشهود مقابل الحصول على المقاطع هو ادعاء مشكوك فيه، لا دليل عليه.

– الهيئة الوطنية للمفقودين أعلنت أنها تسلمت المقاطع عبر جهة حقوقية سورية، كانت قد استلمت في باريس المواد من شقيقين حصلا عليها مباشرةً من محتويات حاسوب أمجد يوسف.

– الادعاء بأن سبب عدم الكشف عن كل المقاطع المتعلقة بالمجزرة من قبل الباحثين “يعود إلى ظهور أحد الشقيقين عدة مرات فيها”، هو ادعاء مشكوك فيه، لا دليل عليه.

– تبين أن الادعاء الرئيسي يستند إلى معلومات كاذبة وتلاعب بالسياق ومزيج من الحقائق والأكاذيب، لذا صنفت المادة ضمن محتوى “مضلل” وفق منهجية شبكة تدقيق المعلومات-True Platform.

خلفية:

يأتي انتشار الادعاء السابق من جانب الموقع في ظل حملة استهدفت فريق البحث عقب الكشف عن مصير أطفال الطبيبة رانيا العباسي من قبل الهيئة الوطنية للمفقودين في 30 أيار/ مايو، حيث اتهم ناشرون إلى جانب نشطاء الباحثة أنصار شحود وفريقها برفض نشر مقاطع الفيديو أو تسليمها لمؤسسات حكومية سورية عقب سقوط النظام، ما أبقى عمليا مصير أطفال رانيا العباسي مجهولاً حتى ذلك الوقت.

في المقابل ترى جهات حقوقية منها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن “هناك مطالبات بنشر الصور والفيديوهات، ولكن نشر الصور والفيديوهات التي تتضمن ضحايا لها اعتبارات قانونية تحكمها”.

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني عبر حسابه على فيسبوك: “الحكومة السورية لديها حاليا مئات آلاف الصور والفيديوهات، بما في ذلك عن مجزرة التضامن، هل تنشرها؟ طبعا لا. هناك ضوابط عديدة لأن هذا عمل قانوني، وسوف اتحدث عنها بالتفصيل. وعن الأطفال المختفين قسريا على يد نظام الإجرام الأسدي. وثقنا قرابة ٣٧٠٠ طفل مازالوا مختفين قسريا…الحكومة السورية عليها ان تعتقل المجرمين وأن تحاكمهم وأن تبذل كل جهد ممكن في سبيل ذلك.”.

وكان شقيق الطبيبة رانيا العباسي قد خرج في مقطع فيديو على حسابه، اتهم فيه الباحثة أنصار شحود بتضليله خلال سؤالها عن مصير أطفال شقيقته الذين أرسل صورهم إليها وكانت هيئتهم متطابقة فيها مع مشاهدهم بإحدى مقاطع الفيديو التي كانت بحوزة فريق البحث.

لكن الباحثين، أنصار شحود وأعور أوميت أونجور نشرا بيانا مؤخراً أرجعا فيه سبب عدم نشر الفيديوهات إلى أن ذلك “(أ) يمس بكرامة الضحايا، (ب) يزيد من صدمة المجتمع، (ج) يؤدي إلى الاستغلال والإثارة. والأهم من ذلك، أننا لم نحجب أي معلومات أو نخفي أي دليل بأي شكل من الأشكال. إنّ الإيحاء بذلك يُعدّ تشهيراً غير مقبول بفريق بحثي عمل لسنوات لكشف الحقيقة”.

كما جاء في بيان الباحثين: “أوضحنا لكل من تواصل معنا أن مهمة تحديد هوية الضحايا تقع على عاتق المدعي العام الألماني والسلطات المختصة الأخرى، وليس علينا، إذ لم تكن لدينا قط القدرة أو الصلاحية لتحديد هوية الضحايا. انظروا بياننا السابق الصادر في 4 يونيو/ حزيران 2022 أدناه”.