الادعاء:
مبنى بلدية القامشلي “أثري”
مبنى بلدية القامشلي هو “أقدم مبنى بلدي في سوريا”
الإدارة الذاتية باعت مبنى بلدية القامشلي لأحد المستثمرين
بيان لبلدية قامشلي التابعة للإدارة الذاتية: أهمية مبنى البلدية القديم في لوحته التعريفية فهي”جزء مهم من التراث الثقافي والتاريخي للمدينة، وتسلط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخها”.
تصنيف:
مضلل
خلاصة:
– الادعاء بأن مبنى بلدية القامشلي “أثري” هو ادعاء غير دقيق.
– الادعاء بأن مبنى بلدية القامشلي “أقدم مبنى بلدي في سوريا” هو ادعاء مضلل.
– الادعاء بأن الإدارة الذاتية باعت مبنى البلدية لمستثمر هو اتهام دون دليل.
– تبين أن بلدية القامشلي التابعة للإدارة الذاتية أصدرت بياناً حجبت فيه حقائق جوهرية عن الرأي العام، حول مشروعها لهدم مبنى البلدية وتحويله إلى “برج تجاري” حتى فرضت الأمر الواقع ميدانياً؛ لذا صُنف الادعاء ضمن محتوى “مضلل” وفق منهجية شبكة تدقيق المعلومات-True Platform.
كيف تحققنا؟
تداولت صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب نشطاء و جهات رسمية ووسائل إعلام، خلال يومي الثالث والرابع من تموز/يوليو 2026، مجموعةً من الادعاءات حول مبنى بلدية القامشلي، في سياق التعليق على عملية الهدم التي تعرض لها من قبل بلدية المدينة التابعة للإدارة الذاتية.

ففي حين وصف الفريق الرئاسي المسؤول عن متابعة تنفيذ اتفاقية الدمج مع قسد، المبنى بـ”الأثري” قال نشطاء إنه”أقدم مبنى بلدي في سوريا“، فيما زعمت حسابات أخرى أن المبنى بيع لأحد المستثمرين.

في المقابل زعمت بلدية قامشلي التابعة لإدارة الذاتية في بيان أن أهمية مبنى بلدية القامشلي الذي قامت بهدمه، محصورة فقط في لوحته التعريفية معتبرة أنها “جزء مهم من التراث الثقافي والتاريخي للمدينة، وتسلط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخها”.

تحرى فريق شبكة تدقيق المعلومات – True Platform، حقيقة هذه الادعاءات، وتبين أن الادعاء بأن مبنى بلدية القامشلي “أثري”هو ادعاء غير دقيق، كما أن وصفه بـ”أقدم مبنى بلدي في سوريا” ادعاء مضلل، في حين أن الادعاء بأن الإدارة الذاتية باعت المبنى لأحد المستثمرين هو اتهام دون دليل. في المقابل مارست بلدية القامشلي (التابعة للإدارة الذاتية) في بياناتها المتعلقة بهدم المبنى تضليلاً عبر حجب الحقائق الجوهرية عن الرأي العام.
إذ بالعودة إلى قانون الآثار السوري (المرسوم التشريعي رقم 222 الصادرعام 1966 والمعدل بالقانون رقم 1 لعام 1999)، نجد في المادتين الأولى والثانية أن شرط تعريف الآثار هو “أن لا يقل عمرها عن مائتي سنة ميلادية أو مائتي وست سنوات هجرية”. ورغم أنه يجوز للمديرية العامة للآثار والمتاحف “أن تعتبر من الآثار أيضاً الممتلكات الثابتة أو المنقولة التي ترجع إلى عهد أحدث إذا رأت أن لها خصائص تاريخية أو فنية أو قومية. ويصدر بذلك قرار وزاري”،إلا أن عمر مبنى بلدية القامشلي يبلغ 90 عاماً فقط، كما لا توجد أي قرارات وزارية تقضي باعتباره مبنىً أثرياً.
كذلك أظهر البحث في أرشيف موقع التاريخ السوري المعاصر، أن دار بلدية دمشق ُأنشئت عام 1896، بحسب تقرير لمجلة “ثروت فنون” العثمانية التي كانت تصدر في الاستانة خلال العهد العثماني، ما يعني أن مبنى بلدية القامشلي ليس الأقدم بين أمثاله في سوريا.

وفي حين لم يورد ناشرو الادعاء بأن مبنى البلدية قد بيع لأحد المستثمرين، أي وثائق تثبت ذلك، نفت بلدية قامشلي التابعة للإدارة الذاتية في بيانها الأخير الصادر أمس السبت، صحة ما يتم تداوله حول “نقل ملكية أصول البلدية”، وأكدت إن “ملكية العقار والمشروع التجاري ستبقى للبلدية”، مما يعني أن الادعاء يأتي كاتهام لا يستند إلى أدلة ملموسة.

لكن هل ضللت بلدية القامشلي الرأي العام؟
بالعودة إلى أصل القصة، تبين أن بلدية القامشلي أصدرت في 17 حزيران/ يونيو الماضي، بياناً غير واضح، حجبت فيه مجموعة من الحقائق الجوهرية حول مشروعها لهدم مبنى البلدية القديم وانتظرت حتى انتهاء أعمال الهدم أمس السبت لتصدر بياناً ثانياً أعلنت فيه صراحةً أن مشروعها يتضمن إقامة “برج تجاري” (تعود ملكيته للبلدية) مكان المبنى القديم، على أن يتم إنشاء مقر جديد للبلدية في موقع آخر.
أظهرت المقارنة بين بياني البلدية أنها صاغت بيانها الأول بلغة فضفاضة تحتمل التأويل، إذ لم تستخدم فيه أي تعبيرات واضحة من قبيل “هدم، تجريف، إزالة” كما أبقت حقيقة أن مشروع بناء البرج التجاري مكان المبنى قد أُقرَّ منذ عام 2025، طي الكتمان.

استخدمت البلدية في بيانها الأول عبارة “خلال الأعمال الجارية في مبنى البلدية القديم”، وهو ما يفسره القارئ البسيط فوراً على أنها أعمال صيانة، وترميم، وتأهيل للمبنى لحمايته، ورغم إشارتها إلى أنه “سيتم إنشاء مبنى بلدية جديد يواكب المتطلبات الحديث”، إلا أنها لم تحدد ما إذا كان سيُبنى فوق أنقاض القديم أم في مكان آخر، لكنها في المقابل أعطت أيحاء بأن المبنى لن يعود موجوداً حين ذكرت أنها ستكتفي بالحفاظ على النقش الأصلي العائد لعام 1935 وعرضه “في مكان مخصص داخل مبنى البلدية الجديد أو في متحف مناسب بالمدينة”، لذا هو بيان غير واضح يتضمن إشارات متناقضة.
إلى جانب ذلك، حصر بيان البلدية الأول الأهمية التاريخية للموقع في “لوحته التعريفية” فقط، واصفاً إياها بأنها: “معلم تراثي يسلط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة”، وهو ما يمثل فصلاً تعسفياً ونزعاً للسياق، عبر فصل القيمة التراثية للوحة عن القيمة التراثية لهيكل المبنى المحتضن لها، في تناقض منطقي يحمل تضليلاً واضحاً لتبرير الهدم وتحويل الموقع إلى برج تجاري.
هدم أثار جدلاً واستياءً شعبياً
جاءت عملية الهدم بعد أيام قليلة من احتفاء شعبي بظهور لوحة تأسيس المبنى التاريخية على واجهته، والتي تحمل اسم “بلدية القامشلية” باللغتين العربية والفرنسية، مما آثار موجة من الجدل والاستياء الشعبي و الانتقادات الحادة من جانب نشطاء، لا سيما أن عملية الإزالة جرت مع اقتراب الذكرى المئوية الأولى لتأسيس المدينة.
وكانت أكثر من 20 منظمة مدنية قد دعت عبر بيان موقف مشترك صدر في 2 تموز/يوليو الجاري إلى رفض هذه الخطوة، مؤكدةً أن “الحفاظ على لوحة أو نقش تاريخي، على أهميته، لا يمكن أن بديلاً عن الحفاظ على المبنى التاريخي نفسه بوصفه جزءاً من الذاكرة العمرانية والهوية البصرية لمدينة قامشلو”.
ويؤكد الميثاق الدولي الحفاظ على المعالم والمواقع وترميمها (ميثاق البندقية 1964) بالإضافة إلى ميثاق المحافظة على التراث العمراني في الدول العربية وتنميته على أهمية الحفاظ على الأبنية التاريخية التي ترتبط بالذاكرة الوجدانية للسكان وتلك التي تكون شاهدة على مراحل هامة من تاريخ المدن والحواضر السكانية.
من جهته وصف الفريق الرئاسي المشرف على عملية الدمج مع قوات سوريا الديمقراطية، ما جرى من هدم مبنى البلدية في مدينة القامشلي بـ”الاعتداءً على أحد المعالم التاريخية والعمرانية للمدينة”مضيفاً “أن أي إجراءات أو تصرفات تتم بهذا الشأن لا يترتب عليها أي آثار قانونية، وستتم مراجعتها ومعالجتها وفق القوانين والأنظمة النافذة”.



